ملتقى احبة فلسطين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه الرسالة تعني انك غير مسجل لدينا (( ملتقى احبة فلسطين )) وانه ليسعدنا ان تنظمو الينا من خلال التسجيل في ملتقى احبة فلسطين

مع تحيات :- المدير العام


ملتقى يحكي عن قصة شعب عاش المجد
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 البنت الخامسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بنت حماس
فلسطيني جديد
فلسطيني جديد
avatar

انثى عدد الرسائل : 91
العمر : 29
الموقع : psc1948.yoo7.com
العمل/الترفيه : طالبة
المزاج : منيحة
عارضة طاقة العضو :
35 / 10035 / 100

تاريخ التسجيل : 02/11/2008

مُساهمةموضوع: البنت الخامسة   الثلاثاء نوفمبر 04, 2008 12:46 pm

ببب

قالت لها أختها وهي تحاورها، ويحك يا وضحاء.. أما آن لك أن تعرفي أن أختك ليست مصنوعة من ذهب، وأنها لا تملك من مال زوجها إلا ما يشاء هو أن يعطيها..

وأن أمر تلك الأخت، وأمر بناتها الخمس ما كان له أن يحل على الوجه الصحيح إلا بوسيلة أكبر من صدقة الأخت أو عطف الجيران والمحسنين..

كانت وضحاء تستمع، وإن بقلبها لناراً أشد التهاباً من نار الحطب الجاف.. وإن كلام أختها الصريح لينزل على قلبها نزول السياط الغاضبة على الجسد الواهن...

ونهضت صامتة تتعثر بثوبها الخلق الطويل الفضفاض، وإنها لتتضاءل فيه تضاؤل كل شيء قليل يحتويه وعاء كبير... وكان يتنازعها أمران كلاهما أمر من الحنظل: أتمضي إلى البنات خالية الوفاض فيواجهنها بجوعهن أم تتوكل على الله وتأخذ طريقها إلى الشام فلم يعد دون أمير المؤمنين كلام... كانت أختها الوحيدة التي لم تتذمر حتى ذلك اليوم. لكن زينب على حنانها وحلمها لم تعرض عليها أن تحمل شيئاً للبنات... هذه المرة دون سائر المرات لم تسألها إن كنّ جائعات، ولكنها دعتها هي وحدها للطعام فعظم عليها أن تجلس إلى خوان فيما بناتها يتضاغين من الجوع...

لم يبق من أمل سوى عرض الأمر على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز... وتنهدت وهي تذكر اسمه فيما وضعت قدمها على درب الشام لأول خطوة فيه... من فضل الله قريتها لم تكن بعيدة عن عاصمة الخلافة وهي حقيقة أكيدة وإن احتج عليها جسد المرأة المكدود، وعيناها الزائغتان، وثوبها المهلهل الذي تتعثر في طوله بين الحين والحين ...

لم تقطع سوى مسافة لا تكاد تذكر حين بدأ رشدها يثوب لها، وأخذ حنقها من أختها زينب يتراجع ليفسح المجال لإحساس بالذنب حيال تلك الأخت الحنون.. لقد كانت منحتها أكثر ما كان لها من مال قليل.. فأما مال زوجها فهي مؤتمنة عليه، فكيف تعطي مال سواها بغير إذن؟ أليس ذلك هو السرقة بعينها... وإلا فماذا تكون السرقة؟

وتنهدت وهي تواصل السير. وفيما هي تنظر إلى نهاية الأفق من أمامها فتكاد تقسم لنفسها أن ساقيها المتراخيتين لا يمكن أن تحملاها حتى ذلك البعد ناهيك عن الوصول إلى الغوطة واختراقها إلى ... ولكن إلى أين؟ إنها لا تعرف أين يمكن أن يكون منزل أمير المؤمنين.. لكن ذلك لن يكون على أحد خافياً .. وأي منزل يعرف إذاً إن لم يعرف منزل أمير المؤمنين؟ مشت قليلاً .. وأحست بوهن شديد.. بدأ العرق يتفصد عن جانبي جبينها.. عيناها غامتا.. الدرب بدأ يهتز أمامها... وهتفت يا رب .. وتهالكت على جانب الدرب وراحت مناظر بستان على جانب الدرب تدور وتتراقص أمام ناظريها بسرعة البرق...

عندئذ لم تعد تذكر شيئاً حتى وجدت نفسها في الفراش الذي كانت تتمدد عليه... ورفعت نظراتها إلى السقف فإذا هو سقف من خشب القوص يهتز تعاطفاً مع الريح كلما هبت... وما إن وعت موقفها، وأدركت أنها كانت في غير موضع تالفه حتى نهضت كالملسوعة، والجزع المفاجئ يغضن جبينها أين أين هذا ؟ من جاء بي هنا ؟ من .. من ؟

وجاءها صوت ريفي حنون ..
- اذكري الله يا ابنتي واحمديه.
- بسم الله الرحمن الرحيم؟ من أنت يا خالة ؟ لماذا أنا هنا ؟
- لأن عناية الله شاءت بك خيراً.. أنت بخير يا ابنتي ما مسك سوء ... ولكن ما الذي جاء بك إلى عرض الطريق فألقى بك محمومة تهذي؟

وأدركت وضحاء جلية الأمر فلم تعد بحاجة إلى السؤال... تذكرت تهالك ساقيها واضطراب حالها.. ولكنها لم تذكر بالطبع كيف أغشي عليها، ولكنها بدلاً من ذلك تذكرت البنات فراحت تهذي بأسمائهن فيما يمررن ببالها واحدة في إثر الأخرى في استعراض حزين:

هند، علياء، زينب، خديجة، كلثوم... اثنتان من الخمس كن يجهن بها انفعالات عاصفة.
الكبرى هند، فقد تخطت سن الزواج لكن أحداً لم يخطبها.. وتتنهد أمها ..

- على ماذا يا وضحاء؟ من ذا يخطب الفقر لاسيما في السنين العجاف؟..
وكلثوم .. لأنها ناحلة صغيرة.. الله وحده يعلم إن كانت وضحاء تعيش لها حتى تزوجها...

ومع كل تلك الهواجس فإن التعب والشبع، كلاهما تصالح عليها فهجعت وراحت تغط في نوم عميق...

وكان صبح اليوم التالي.. لا إله إلا الله يا شام! وأنت يا غوطة الشام، لأنت ما تزالين الأجمل والأسنى... الله لفتات النور في مشرق شمس الغوطة كيف تتنازعه أما ليد الحور في تمايل شجره مع ريح الصباح الخريفي!!..

كانت وضحاء تقول لنفسها: هكذا والله فليكن الترمل.. يموت الرجل فيترك ولدين أو ثلاثة لا أكثر ... ويترك مثل هذه الأرض في غوطة الشام... فواكه وزيتون وعنب ورمان.. وخرير ماء وقنوات وبرك حسان... ودواجن وخيرات ومراع لماشية وأغنام... لا كحسرتي... لا شيء! ... لا شيء ... إلا العطف من بعض أهل الخير ... وقد غاضت ينابيع ذلك العطف من توالي الإلحاح... أين الذي يعطي بلا انقطاع ولا فتور على مر الزمان غير الله، جل جلال الله!... وانطلق صوت الخالة أم جليل صاحبة المكان وقد عادت من الأرض وقد امتلأت مخلاة على ظهرها ففاض الحمل فاحتملته في كمها الفضفاض..

- هذه .. يا وضحاء تكون عند بناتك قبل الظهيرة بإذن الله !
قالت وضحاء متعثرة اللسان حياءً وقد أساءت الفهم:
- ولكني لست عائدة إلى القرية اليوم يا خالة.. وتنهدت..

قالت أم جليل:
- أنا عارفة يا ابنتي... أنا ذاهبة معك إلى الشام للأمر الذي جاء بك إلى أمير المؤمنين... أما هذه فيحملها ولدي جليل ليسلمها لمن تشائين من البنات أو خالتهن لترسل به إليهن.. كما ترين..

وأحست وضحاء بخجل حقيقي محرج... من فرط ما رأت من لطف تلك المرأة المؤمنة التي كانت عثرت عليها أول من أمس ذلك اليوم فجاءت بها تتعهدها كأنما هي قطعة من نفسها...

قالت أم جليل لوضحاء وهما توشكان أن تصلا منزل أمير المؤمنين عمر:
- لا .. لا .. ذلك ليس منزل أمير المؤمنين... ولا أي من تلك الصور.. تلك جميعها للمروانية من بني عمومة الخليفة... ألم تسمعي يا هذه كيف يحيا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؟ ما أبعدكم في القرى عن أنباء الحواضر.. الآن وصلنا ...
- أرأيت هذا البيت الساذج المتطامن ... إنه بيت أمير المؤمنين!!
[ وشهقت وضحاء ] ...

- ويكون هذا بيت الأمير الكبير.. هذا الذي لا يصلح منزلاً لخدم تلك القصور ؟
- أي والله يا ابنتي هذا هو !
- عجيب !!!

- تعجبين طبعاً .. لأنك لا تعرفين الرجل الذي أمسك بعربة الزمن، وصدق الله العزم وأقسم، فها هو أوقفها من التدهور وراح يغير مسارها إلى خط آخر!
- وأي خط آخر؟
- خط القرآن والسنة.. خط الإسلام دين العدالة..
- إذاً والله هو صديق.

- هو كذلك وأكبر يا ابنتي... هو فارس الجهاد الأكبر يا ابنتي.. إنه هو الرجل الذي عرف نفسه ثم عرفها بما ينبغي أن تريد.. ثم حملها على ما ينبغي أن تفعل...
[ وفجأة صمتت أم جليل ثم أشارت بيدها ... لكن مهلاً .. مهلاً .. انظري.. ذلك القادم هو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.. بأمي وأبي الرجل الذي يحمل على كاهل واحد هموم الذين كانوا مهمومين في عالم المسلمين... كم أنا مشفقة عليه في هذا العام المجدب بالذات لكثرة المحاويج...]

قالت وضحاء: أيمكن أن يكون حقاً ما تقول هذه المرأة ؟ أذاك هو الذي كان في أمس القريب الأمير الأموي الثري السريّ.. عمر .. أين مطارف الخز ومشية العز يا عمر؟

واقترب أمير المؤمنين من ورائه شاب يناديه يا عبد الملك، ورجل عليه سيماء الوقار والعلم إذا توجه إليه الأمير بخطاب ناداه يا مزاحم...
كان التعب بادياً على وجه أمير المؤمنين حتى لا يكاد يثبت خطاه على الدرب فأراد أن يصل إلى منزله من أقرب سبيل فيباعد عن مكان وقوف النساء.. ولاحظ ذلك ولده عبد الملك فقال: يا أبتاه .. كم أنا مشفق عليك مما بك من الجهد .. لكن هؤلاء نسوة قد يكون أصابهن ظلم فكان لهن على أمير المؤمنين حق.. والمرء لا يدري متى يجيئه أمر الله، فهل يلقى الله على .. وغار الكلام في حنجرة عبد الملك بن عبد العزيز... فياله من شاب كأنما صنع من الصفاء نفسه وكأنما التقوى زاد ليله ونهاره وكأنما خط على جبينه.. هذا فتى يوشك أن يفارق الدنيا من فرط حب ربه له!..

وتبسم عمر لكلام ابنه، وسرّه ما سمع منه، فتقدم ناحية أم جليل فسبقته بالسلام عليه تقول: كيف الحال يا أمير المؤمنين جزاك الله عنا خيراً وجزى الله عنا خيراً من كان سبب ولايتك.. إننا نقولها لك ملء أفواهنا .. بحب وحماسة وسعادة .. قال عبدالملك:

- يا خالة دعيك من الإطراء فإن الله عالم ما في القلوب.. وقولي ما حاجتك؟
قالت:
- دللت على أمير المؤمنين أرملة مطفلة لها خمس بنات ... [ ونظرت إلى وضحاء ]
قال عمر:
- خمس يا هذه: خمس يتيمات.. فمن هنّ ... أمعك قرطاس يا عبد الملك ؟
قالت وضحاء
- الأولى هند وعمرها سبع عشرة سنة.
قال عمر:
- لم نسألك عن عمرها.. اكتب لها يا عبدالملك عطاء من بيت المال ثابتاً إلى أن يغنيها الله.. هاه.. من الثانية؟

قالت وضحاء:
- الحمد لله رب العالمين ... الثانية يا أمير المؤمنين علياء.
قال عمر:
- اكتب لها يا عبد الملك.
قالت وضحاء:
- الحمد لله رب العالمين .. فالثالثة زينب.
- اكتب يا عبد الملك...
- الحمد لك يا رب العالمين فأما الرابعة فخديجة .
- اكتب لها يا عبد الملك.
- جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين وأنالك الخير...

قال عمر:
- هيا بنا يا مزاحم ..
قالت وضحاء :
- والخامسة يا أمير المؤمنين ؟
قال عمر:
- يا هذه كنا نكتب لك كل مرة فتحمدين الله، حتى إذا أعطينا الرابعة حمدت غير الله، والله يزيد شاكريه ولا يزيد شاكري سواه... ما قصدت أن أعطيك لأكثر من أربع يتقاسمن بينهن ما يجئ من بيت المال، فذلك الآن أقصى ما يعطى... ومضى عمر ومن خلفه مزاحم وعبد الملك...

وعادت وضحاء مذهولة مما سمعت من أمير المؤمنين راضية كل الرضا بعطاء الأربع لخمس تعاهد الله على ألا تخشى سواه وألا تشكر سواه وألا تسأل أحد حاجة إلاه.. لقد علمها أمير المؤمنين درساً بليغاً ...

جلست شقيقة وضحاء ضيفة في بيت أختها في الغوطة بعد ذلك بعشرين سنة، فيا لله كم غيرت الأيام... قالت شقيقتها: لقد كان هذا المكان عليك بركة يا وضحاء!

قالت وضحاء: بل كان أمير المؤمنين وعطاؤه البركة... ويرحم الله أم جليل .. كانت وجه الخير والنعمة.. ابنها جليل رأى هنداً كما تذكرين وأعجب بها فتزوجا.. وأعطينا أرضاً في الغوطة ننفق عليها من جزء من عطائنا وبارك الله وقدر .. وزاد وأكثر .. وعرفنا حقه فيمن هو منا أضعف أو أفقر.. فزاد لنا وزاد .. وتزوجت البنات.. ويسر الله لي أنا الأخرى زوجي مباركاً ..

وهنا ضحكت الشقيقتان ربما لأول مرة من جمع نفسيهما.

مجلة الأمة- العدد (43) رجب 1404هـ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
البنت الخامسة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى احبة فلسطين :: «®°·.¸.•°°·.¸.•°™ الملتقى الإجتماعـــــــــــي™°·.¸.•°°·.¸.•°®» :: ღ♥ღ ملتقى أدم وحواء ღ♥ღ-
انتقل الى: